Categories: غير مصنف

مؤنس حواس يحذر من استخدام صور الثمانينات بطريقة تهدد خصوصيتك وكشف الهوية

يكفي أن تقوم بتحديث صفحات التواصل الاجتماعي لترى عشرات الصور التي تحمل صيحات الثمانينات، بملابس وتسريحات شعر وألوان باهتة، إضافة إلى كاميرات واستوديوهات وديكورات تعكس ملامح حقبة زمنية مختلفة لم يعشها كثير من أصحاب هذه الصور نفسها. فما أن يرفع المستخدم صورة إلى إحدى أدوات الذكاء الاصطناعي، ويكتب وصفًا بسيطًا، حتى تظهر نسخة منه تبدو وكأنها عاشت في زمن مختلف، لكن اللافت أن الناس يتعاملون مع هذه الصور باعتبارها تجربة تكشف جانبًا من هويتهم، لا مجرد فلتر جديد.

الجاذبية في هذه الفكرة تكمن في رؤية النفس في حياة لم تعشها، والتخيل كيف كنت ستبدو لو ولدت قبل عقود، وما كانت ستبدو عليه ملامحك من ملابس وتسريحات وحياة، أو حتى الصورة التي ربما احتفظ بها أحد أفراد العائلة في ألبوم قديم، فهي لعبة تجذب اللعب مع الزمن والهوية في آن معًا. والسؤال هنا لماذا تعلق الناس بالثمانينات تحديدًا؟ يبدو أن الأمر ليس متعلقًا بتلك الحقبة نفسها، بل بفكرة “ماذا لو؟” التي تجتذب الإنسان بطبعه، وهو مفتون بفكرة النسخ البديلة من حياته، مثل ماذا لو وُلد في مكان آخر أو اختار مهنة مختلفة أو عاش في زمن مختلف، وهنا يعطي الذكاء الاصطناعي هذه التساؤلات جوابًا بصورة ملموسة تظهر أمامه.

لم يعد كافيا تخيل نفسك في الماضي، بل يمكنك رؤيتها بوضوح أمامك، وهذا يوضح قوة الصورة التي تمنح احتمالات الخيال شكلاً واقعيًا، وحتى أولئك الذين لم يعاصروا الثمانينات يشعرون أحيانا بأنهم يعرفونها عبر الأفلام والإعلانات وصور الآباء والذكريات العائلية، لذلك يظهر الناتج كأنه مألوف، وكأن الذكاء الاصطناعي لا يخلق ماضيًا جديدًا فقط، بل يستخرج صورة من الذاكرة الجماعية لم تكن موجودة من قبل. لكن خلف هذه الصورة الجذابة تكمن مفارقة صغيرة، فحتى يمكن للذكاء الاصطناعي إنتاج هذه النسخة من الماضي يتعين أن نعطيه صورة حديثة من الحاضر، وهنا يبرز سؤال مهم لا يُطرح عادة: ماذا يحدث لصورنا بعد رفعها إلى أدوات الذكاء الاصطناعي؟.

معظمنا لا يدرك أنه يسلّم بيانات دقيقة عن وجهه لخدمة تقنية، فهو يشعر فقط بأنه يلعب ويرغب برؤية صورته في زمن مختلف أو نمط حياة آخر، ثم ينشر النتيجة على حسابه مع بيانات شخصية في التعليقات كاسمه ومكانه وعمله وأسماء أصدقائه، فتتحول الصورة من مجرد صورة إلى جزء من هوية رقمية قابلة للمعالجة والمشاركة، وهنا يجب التمييز بين استخدام أداة ذكاء اصطناعي وبين شروط الخدمة وإعدادات الخصوصية التي تحدد إمكانية استخدام الصورة في تدريب نماذج أو تخزينها أو بيعها، ورغم أن ذلك ليس تلقائيًا يحدث، إلا أن غياب قراءة هذه السياسات يزيد من أهمية التساؤل.

الصور الشخصية ليست مجرد بيانات عادية، إذ يمكن للوجه أن يعبر عن معلومات إضافية مثل العمر أو المهنة أو العلاقات الاجتماعية، كما أن السياق الذي تنشر فيه الصور يضيف تفاصيل عن الحياة الشخصية، والأمر يتعقد أكثر عندما تضم الصورة وجوهًا لأشخاص آخرين لم يوافقوا على استخدامها في خدمات الذكاء الاصطناعي، وهنا تتعاظم الأبعاد الأخلاقية لتصبح قرارات الاستخدام جماعية وليست فردية فقط. ومن جانب الملكية، رفع الصورة إلى خدمة رقمية لا يعني فقدانها، لكنه قد يمنح الشركة حقوقًا أو تراخيص معينة لاستخدام الصورة أو معالجتها أو تخزينها بحسب شروط الخدمة، ويختلف الأمر بين الاستخدام المباشر لتنفيذ الطلب والاحتفاظ بها لفترات طويلة أو الاستفادة منها في تطوير الخدمات، لذلك السؤال الحقيقي هو ماذا سمح المستخدم للخدمة أن تفعل بصورته.

على الرغم من ذلك، أصبحت الصور أقل قيمة في نظر المستخدمين، وهذا التغير في التعامل مع الصور يرجع إلى سهولة التقاط وتعديل ونشر الصور عبر الهواتف الذكية وأدوات الذكاء الاصطناعي، لكن خلف هذه البساطة تخبئ الصور وجوهًا وذكريات وتفاصيل شخصية تحمل آثارًا رقمية يصعب تتبعها بالكامل لاحقًا. المشكلة ليست في استخدام التكنولوجيا نفسها، لكن تكمن في الوعي بكيفية الاستخدام، لذا من الضروري قبل رفع أي صورة إلى خدمة ذكية الاطلاع على سياسة الخصوصية لمعرفة ما إذا كانت تحفظ الصور، ومدة الحفظ، واستخدامها في تحسين الخدمات أو تدريب النماذج، وهل بالإمكان حذفها، فضلاً عن مراعاة وجود أشخاص آخرين في الصورة.

الصورة ذات صدى أعمق من مجرد نوستالجيا، فهي تصطدم بتجربة الإنسان مع الزمن والذاكرة والهوية، حيث يسمح الذكاء الاصطناعي بإعادة صياغة ماضٍ لم يعشه المستخدم بنفسه، وببراعة متزايدة رغم حداثة التقنية، مما يفتح احتمالات واسعة للمستقبل الذي قد يكون فيه الذكاء الاصطناعي قادرًا على إحداث تغييرات أوسع وأعمق في فهمنا لأنفسنا ولزمننا.

admin

Recent Posts

انخفاض سعر بيتكوين إلى 78 ألف دولار مع تأثير رفع الفائدة وارتفاع النفط

تراجعت عملة بيتكوين إلى نحو 78 ألف دولار خلال تعاملات الثلاثاء، مواصلة خسائرها من أعلى…

دقيقتان ago

لاعب مصري يواصل التدريبات الشاقة مع الاتحاد السكندري رغم توقف صرف المستحقات

قرر المدير الفني لأول فريق كرة القدم بالنادي المصري أحمد سامي استمرار الفريق في تدريباته…

3 دقائق ago

تعزيز الإجراءات الأمنية استعدادا لمباراة الزمالك وأبو قير للأسمدة في الدوري الممتاز

أنهت الأجهزة الأمنية استعداداتها الميدانية واللوجستية لتأمين مباراة الزمالك وأبو قير للأسمدة المقررة في الثامنة…

13 دقيقة ago

الاتحاد الأولمبي يبارك لسيف عيسى فوزه بذهبية جائزة التايكوندو الكبرى في كوريا الجنوبية

تقدمت اللجنة الأولمبية المصرية برئاسة ياسر إدريس بالتهنئة إلى الاتحاد المصري للتايكوندو برئاسة محمد مصطفى…

24 دقيقة ago

استوديو تحليلي شامل لمواجهة الزمالك وأبو قير للأسمدة على أون سبورت

تقدم قناة أون سبورت استوديو تحليليًا خاصًا لمباراة الزمالك وأبو قير للأسمدة ضمن منافسات الجولة…

35 دقيقة ago

أداء الزمالك مع تحكيم محمود ناجي في 15 مباراة قبل مواجهة أبو قير اليوم

أعلنت لجنة الحكام عن تولي الدولي محمود ناجي إدارة مباراة الزمالك وأبو قير للأسمدة التي…

47 دقيقة ago