المكسيك تستعد لكأس العالم 2026 بين تحديات نجاح الحدث ومخاطر العنف

المكسيك تستعد لكأس العالم 2026 بين تحديات نجاح الحدث ومخاطر العنف

تستعد المكسيك لاحتضان كأس العالم 2026 للمرة الثالثة، لتصبح الدولة الوحيدة التي تنظم البطولة في ثلاث نسخ مختلفة، ومع الاستعدادات المكثفة لاستقبال الجماهير من جميع أنحاء العالم، تواجه البلاد تحديات كبيرة تتمثل في تصاعد العنف الناتج عن حربها المستمرة مع عصابات المخدرات التي تحولت إلى خطر يهدد أمن العديد من المناطق.

تشير التقارير إلى أن التحضيرات الأمنية لكأس العالم تواجه عقبات معقدة بسبب تصاعد نشاط الكارتلات المسلحة في المدن المضيفة، خاصة مع تنامي نفوذ تلك العصابات خلال السنوات الأخيرة، وهو الأمر الذي أعاد إلى الواجهة مشاهد الدم والعنف قبل انطلاق البطولة بعدة أشهر، ما يُثير تساؤلات جدية حول قدرة السلطات على حماية الملايين من المشجعين والسياح وتأمين الحدث من أي تهديدات إجرامية.

ستقام المباريات في ثلاث مدن رئيسية هي مكسيكو سيتي، ومونتيري، وجوادالاخارا، عبر ثلاثة ملاعب تستضيف 13 مباراة من أصل 104 مباريات في البطولة، ويظل ملعب أزتيكا التاريخي في العاصمة هو أبرز معالم البطولة بعد أن احتضن نسختي 1970 و1986 وشهد لحظات خالدة مثل تتويج بيليه وهدف مارادونا ضد إنجلترا، لكن هذا الملعب شهد جدلاً بعد تغيير اسمه مؤقتًا نتيجة اتفاقية رعاية قبل أن يتدخل الفيفا ويعيد تسميته خلال البطولة، أما ملعب BBVA في مونتيري فهو معقل نادي مونتيري، في حين أن ملعب أكرون في زابوبان قرب غوادالاخارا يقع في منطقة تشهد توترًا أمنياً عاليًا بسبب نشاط عصابة خاليسكو نويفا جينيراسيون.

يرتبط تاريخ عصابات المخدرات في المكسيك بصورة وثيقة بمدينة جوادالاخارا، التي تعد نقطة البداية لظهور الكارتلات الحديثة، حيث كانت تجارة المخدرات في البداية تقتصر على المناطق الريفية المعروفة بالمثلث الذهبي، قبل أن تدفع الحملات الأمنية في السبعينيات والثمانينيات المهربين إلى الانتقال إلى المدن الكبرى مثل جوادالاخارا التي شهدت تأسيس أول كارتل قوي ومنظم بقيادة شخصيات مثل رافائيل كارو كوينتيرو وميغيل أنخيل فيليكس جاياردو، مستفيدين من الفساد داخل أجهزة الأمن والقرب من الحدود الأمريكية ليصبحوا حلقة وصل رئيسية بين الكارتلات الكولومبية والسوق الأمريكية.

لم يقض سقوط كارتل جوادالاخارا على تجارة المخدرات، بل أدى إلى ظهور عشرات العصابات المسلحة التي تقاسم نفوذها البلاد، مثل كارتل سينالوا وكارتل الخليج وكارتل تيخوانا، وكانت هذه الجماعات قد توسعت لتصبح قوات شبه عسكرية تمتلك أسلحة متطورة وطائرات مسيرة وأنفاق تهريب، كما ضاعفت أنشطة مثل إنتاج الميثامفيتامين والفنتانيل أرباحها ونفوذها بشكل كبير.

مع بداية الألفية الجديدة، برز كارتل سينالوا بقيادة خواكين “إل تشابو” غوزمان كالتنظيم الأقوى، فاعتمد على شبكة تحالفات وفساد دولي ساعدته على البقاء رغم الضربات الأمنية، بينما دخلت جماعة “لوس زيتاس” التي ضمت عناصر من القوات الخاصة، مرحلة جديدة من العنف الدموي والقتل الجماعي، مما جعل صراع الكارتلات يتحول إلى حرب مفتوحة بين الدولة وجماعات مسلحة، وتعرض السكان المدنين لأجواء من الرعب والاضطراب.

في 2006، أطلق الرئيس فيليبي كالديرون حرباً مفتوحة على عصابات المخدرات بنشر قوات عسكرية في مناطق نفوذ الكارتلات، لكن هذه الخطوة أدت إلى تصاعد العنف بدلاً من احتوائه، إذ استمر الاغتيال والتناحر بين العصابات التي استبدلت بعضها بعضًا في السيطرة على طرق التهريب، وأصبحت بعض المدن مثل سيوداد خواريز من أخطر الأماكن في العالم، حيث تخطى عدد ضحايا العنف منذ عام 2006 نصف مليون قتيل، بالإضافة إلى انتشار الظواهر الإجرامية الأخرى مثل الخطف والاختفاء القسري والابتزاز.

تستعد الشرطة المكسيكية لفرض خطة أمنية مشددة خلال كأس العالم 2026، تشمل نشر حوالي 100 ألف عنصر أمني واستخدام تقنيات وأسطول جوي مضاد للطائرات المسيّرة، إضافة إلى تشكيل حلقات أمنية متكاملة تضم نقاط تفتيش ووحدات كلاب بوليسية وقناصة وخبراء في المتفجرات، مع تركيز خاص على مدينة جوادالاخارا التي تمثل تحديًا أمنيًا كبيرًا بسبب نشاط عصابة CJNG، رغم تأكيد السلطات على السيطرة على الوضع إلا أن قلق الجماهير الأجنبية لا يزال قائمًا.

على المستوى الداخلي، تشهد المكسيك احتجاجات ضد التركيز الكبير على تجهيزات البطولة على حساب معالجة المشكلات الاجتماعية والأمنية المتفاقمة، مع احتجاجات في مكسيكو سيتي ضد الإخلاءات وارتفاع الإيجارات والضغط على الخدمات العامة بسبب التحضيرات، إضافة إلى نية عائلات ضحايا الاختفاء القسري تنظيم مظاهرات أمام ملعب أزتيكا لإبراز معاناتهم المستمرة، ويرى كثير من السكان أن الدولة قادرة على حشد قوات أمنية ضخمة لحماية كأس العالم لكنها فشلت في حماية المدنيين من العنف اليومي للكارتلات.

رغم كل التحديات الأمنية والسياسية، تبقى المكسيك بلداً نابضًا بالحياة والثقافة، فالإرث الحضاري من أهرامات تيوتيهواكان وآثار المايا إلى الشواطئ الخلابة والمدن التي تعكس تاريخاً استعمارياً غنيًا، يجعلها وجهة سياحية متميزة، كما أن المطبخ المكسيكي المصنف ضمن التراث الثقافي غير المادي للبشرية يعزز من مكانة البلاد على الساحة العالمية، ويأمل الكثيرون أن يعكس كأس العالم 2026 صورة جديدة للمكسيك، تبتعد عن العنف وتنقل للعالم ثقافة البلاد وجمالها.

سيتنافس منتخب المكسيك في المجموعة الأولى مع منتخبات جنوب أفريقيا وكوريا الجنوبية والتشيك، في مجموعة تجمع بين مدارس كروية مختلفة، ما يعد بمنافسة متوازنة يسعى خلالها كل فريق إلى حجز مكان في الدور التالي، وتنطلق البطولة في 11 يونيو 2026 وتستمر حتى 19 يوليو، بمشاركة 48 منتخبًا لأول مرة في تاريخ كأس العالم موزعين على 12 مجموعة، ليصل عدد المباريات إلى 104، مما يجعل النسخة الأكبر على الإطلاق.