رنا أمين تكشف كيف تحولت السوشيال ميديا من مصدر حقائق إلى موجة معلومات مضللة

أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي جزءًا لا يتجزأ من حياة الملايين، حيث تجاوزت دورها التقليدي كمنصات للتواصل العائلي والاجتماعي لتتحول إلى مصادر رئيسية للحصول على الأخبار ومتابعة الأحداث بشكل لحظي، لكن هذا الانتشار السريع غير طريقة تعامل الجمهور مع المعلومة، إذ بات من الممكن نشر المعلومة ووصولها إلى ملايين الأشخاص خلال ثوانٍ دون أن تخضع لمراجعة دقيقة، وهذا الأمر أدى إلى انتشار الشائعات والمعلومات المضللة وتحول «الترند» إلى قوة تشكيلية للرأي العام.
تسهم سرعة نقل المعلومات في تعقيد القدرة على التحقق منها، فغالبًا ما يميل المستخدمون لمشاركة الأخبار قبل التأكد من مصادرها، خاصة إذا كانت مثيرة أو صادمة، ما يسرع من انتشارها ويزيد من صعوبة السيطرة عليها، وأحيانًا تستمر الشائعات حتى بعد اكتشاف خطأها بسبب تكرار تداولها عبر منصات متعددة، إضافة إلى أن الخوارزميات في منصات التواصل تعزز ظهور المحتوى الذي يحقق أكبر تفاعل، وغالبًا ما يكون مثيرًا للجدل أو يحمل عناوين مثيرة، ما يجعل المحتوى الدقيق والمعتدل أقل ظهورًا.
تلعب العناوين المثيرة دورًا رئيسًا في إعادة نشر المحتوى دون التحقق، إذ يكتفي بعض المستخدمين بقراة العنوان أو جزء صغير من المنشور، ما يسهّل انتشار المعلومات غير الدقيقة ويتسبب في ترسيخها كوقائع لدى البعض، خاصة مع تكرار الرؤية، بينما تصبح إعادة نشر المحتوى دون تحقق المصدر أحد أهم أسباب تفشي الشائعات التي قد تتضمن مواد قديمة أو مقتطعة من سياقات مختلفة، ما يزيد من صعوبة تفنيدها.
مع التطور التقني وظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي، ازدادت تحديات التحقق من صحة الصور والفيديوهات، إذ يمكن إنتاج مواد بصرية وصوتية هائلة الدقة يصعب تمييزها عن الحقيقة، لذلك أصبح من الضروري فحص المصدر والتاريخ والسياق وليس الاكتفاء بوجود مادة بصرية فقط.
لدى المستخدم دور محوري في مواجهة هذه الظاهرة، إذ يجب عليه الانتباه إلى مصدر المعلومة والتأكد منها قبل المشاركة، فلا يكفي وجود عدد كبير من المتابعين أو التفاعل ليكون المحتوى صحيحًا، ويجب البحث عن مصادر مستقلة وتتبع تاريخ المحتوى وفحص ملاءمته للحدث، لأن المستخدم اليوم لم يعد مجرد متلق، وإنما منتج وناشر للتفاعل الإعلامي ويقع على عاتقه مسؤولية مضاعفة.
تراجع الدور الحصري للوسائل الإعلامية التقليدية جعل الاعتماد الأكبر على منصات التواصل الاجتماعي، مما يطرح تساؤلات حول مصداقية المعلومات المنشورة، هنا تبرز أهمية المؤسسات الإعلامية المهنية التي لا تقتصر على النقل فحسب، بل تلعب دورًا في التحقق من صحة الأخبار وتوفير سياقات تساعد الجمهور على الفهم الصحيح.
مواجهة فوضى المعلومات تتطلب جهوداً مشتركة، فالمستخدم مسؤول عن عدم نشر المحتوى المجهول المصدر، والمنصات مطالبة بتحسين آليات اكتشاف المحتوى المضلل وتعزيز سرعة التصحيح، والمؤسسات الإعلامية والجهات الرسمية يجب أن توفر معلومات دقيقة وعاجلة، خصوصًا في الأزمات، لأن الإهمال يفسح المجال لاستمرار انتشار الشائعات.
يمكن اقتراح مجموعة من الحلول العملية تبدأ بتشكيل فرق متخصصة لرصد المحتوى ورصده مبكرًا، وتطوير آليات سريعة للرد على الشائعات، وتعزيز التعاون بين الإعلام والمنصات الرقمية لضمان وصول المعلومات الموثوقة، وإدخال مفاهيم التحقق الرقمي ضمن برامج التوعية للمستخدمين، كما تستدعي خطورة المحتوى المزيف إنتاجًا بالذكاء الاصطناعي رفع مستوى الوعي بمخاطره، إضافة إلى تحديث التشريعات الرقمية بما يحافظ على حرية التعبير مع الحد من التضليل.
يجب تقديم الدعم الكامل للمؤسسات الإعلامية المهنية لأنها الضمانة في توفير الأخبار الصحيحة بسرعة، في الوقت نفسه ينبغي عدم الاعتماد على الحذف كحل وحيد بل العمل على التصحيح والتوعية وتقديم بدائل موثوقة، لأن حذف منشور واحد لا يمنع انتشار ذاته عبر حسابات أخرى.
بناء منظومة متكاملة تجمع بين الرصد المبكر والتأكد من صحة المعلومات وسرعة الاستجابة التشريعية والتوعية الرقمية ودعم الإعلام المهني وتنظيم المنصات هو الطريق الأمثل لمواجهة هذا التحدي، فسرعة وصول المعلومة لم تعد أزمة بحد ذاتها، بل المشكلة تكمن في وصولها قبل التأكد من دقتها، وتحولها إلى أزمة مجتمعية يصعب احتواؤها، وبالتالي فإن المسؤولية مشتركة بين جميع الأطراف، وتحتاج إلى وعي رقمي وادراك تام بأن المعلومة سلاح تؤثر دقتها ومصدرها وطريقة التعامل معها على شكل الرأي العام واتجاهاته.




