السبت 17-10-2026 04:21 المصري اليوم

هيمن على النقاش الدائر حول تمويل التنمية فى إفريقيا على مدى عقود طويلة، سؤال يبدو بسيطاً فى ظاهره؛ لكنه ينطوى على تعقيدات ترتبط بحجم الأموال التى تحتاجها القارة، ومن أين ستأتى؟ وتجعل الأرقام هذا الطرح مفهوماً؛ إذ يُقدّر بنك التنمية الإفريقى أن القارة ستواجه فجوة تمويلية سنوية تبلغ نحو ٤٠٢.٢ مليار دولار، إذا ما أرادت تسريع وتيرة التحول الهيكلى بحلول عام ٢٠٣٠. وفى الوقت نفسه، يُتوقع أن تتجاوز مدفوعات خدمة الديون الخارجية للحكومات الإفريقية ٩٠ مليار دولار عام ٢٠٢٦، فى حين أن نحو ٩٥٪ من البلدان الإفريقية منخفضة الدخل تعانى بالفعل من ضائقة ديون أو تواجه خطر الوقوع فيها؛ ومع ذلك، فإن حجم الفجوة يكشف عن جانب واحد فقط من هذه المعضلة.

ومن منظور دول الجنوب العالمى، لا تنحصر مشكلة تمويل التنمية فى إفريقيا فى حجم الموارد المتاحة، بل تمتد إلى مسألة أعمق تتعلق بامتلاك زمام القرار والقدرة على التوجيه؛ بمعنى من يحصل على التمويل؟ ومن يتحكم فيه؟ وبأى شروط يُتاح؟ وإلى أى القطاعات يتجه؟ وأى الشركات يمكنها الوصول إليه؟ وهل يفضى فى نهاية المطاف إلى بناء قدرات إنتاجية محلية، أم يكرّس التبعية والاعتماد المستمر على مصادر التمويل الخارجية؟

اقرأ أيضًا: موديز ترفع تصنيف مصر إلى B3 ..نواب:شهادة ثقة في تحسن مؤشرات الاقتصاد القومي

وتكتسب هذه التفرقة أهمية متزايدة؛ لأن إفريقيا لا تعانى ببساطة من نقص فى الأموال. ففى العديد من البلدان، توجد مدخرات محلية وموارد مالية وفيرة، جنباً إلى جنب مع عجز هائل فى البنية التحتية. وتكشف دراسات شملت ٣٨ دولة إفريقية خلال الفترة (١٩٩٠–٢٠٢٤) أن التطور المالى يسهم فى زيادة الاستثمار فى البنية التحتية، غير أن أثره يتضاعف بشكل ملحوظ حين يقترن بفعالية حكومية وجودة تنظيمية عاليتين؛ بعبارة أخرى، يعمل التمويل والمؤسسات بوصفهما عنصرين متكاملين، لا يُغنى أحدهما عن الآخر. وتعيد هذه النتيجة رسم مسار النقاش حول تمويل التنمية؛ إذ لم تعد القضية محصورة فى كيفية جذب إفريقيا لمزيد من رؤوس الأموال الخارجية، بل باتت تتمحور حول كيفية بناء الدول الإفريقية لأنظمة مالية ومؤسسات وقدرات إنتاجية تُمكّن رأس المال، محلياً كان أم خارجياً، من خدمة أولويات التنمية الإفريقية.

ويسعى هذا المقال إلى تجاوز النقاش المحصور فى حجم الفجوة التمويلية؛ ليبحث فى السبل الكفيلة بتمكين إفريقيا من الاستفادة من مواردها المحلية، وتعزيز مؤسساتها، وتطوير أنظمة مالية أكثر شمولاً، والاستفادة من بيئة عالمية متعددة الأقطاب آخذة فى التشكّل؛ مما يدعم قدرتها على الصمود الاقتصادى، ويوسع هامشها التفاوضى واستقلاليتها الاستراتيجية.

ليست كل رؤوس الأموال سواء:

تتمثل الخطوة الأولى فى تجاوز النزعة السائدة للحكم على كافة التدفقات المالية وفقاً لمقياس واحد. فربما تسهم كل من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وتحويلات المغتربين، والمساعدات الإنمائية الرسمية، واستثمارات المحافظ المالية فى رفد الاقتصادات الإفريقية بالموارد، إلا أن كلاً منها يؤدى وظائف تختلف اختلافاً جوهرياً عن الآخر. وفى هذا الإطار، يمكن للاستثمار الأجنبى المباشر أن يسهم فى التحول الهيكلى عندما يعمل على توسيع الأصول الإنتاجية، وتطوير الموردين المحليين، وتوليد الصادرات، ونقل التكنولوجيا، وخلق فرص عمل تتطلب مهارات عالية. وفى المقابل، تضعف مساهمته التنموية إلى حد كبير إذا ظل الاستثمار مقتصراً على جيوب قطاع الصناعات الاستخراجية التى لا تكاد ترتبط بالاقتصاد المحلى.

أما تحويلات المغتربين فتؤدى دوراً مختلفاً؛ إذ أصبحت واحدة من أهم مصادر التمويل الخارجى فى إفريقيا وأكثرها استقراراً نسبياً، حيث تدعم استهلاك الأسر، والرعاية الصحية، والتعليم، والإسكان، والمشاريع الصغيرة. وتكمن قيمتها جزئياً فى كونها أقل اعتماداً مباشراً على أولويات الحكومات المانحة أو تقلبات معنويات الأسواق المالية.

وبالنسبة للمساعدات، فإنها تظل مهمة للغاية بالنسبة للدول الهشة ومنخفضة الدخل؛ نظراً لقدرتها على دعم أنشطة غالباً ما يفتقر المستثمرون من القطاع الخاص إلى الحوافز الكافية لتمويلها، بما فى ذلك الصحة العامة، والتعليم، والاحتياجات الإنسانية، وبناء القدرات المؤسسية، والبنية التحتية الاجتماعية طويلة الأجل.

فيما تبدو استثمارات المحافظ المالية قادرة على دعم أسواق رأس المال وتنويع خيارات التمويل، غير أنها تظل متركزة فى الاقتصادات ذات الأسواق المتطورة بما يكفى، كما أنها عُرضة للانسحاب السريع عند تغير أسعار الفائدة الدولية أو تبدل نظرة المستثمرين.

وعليه، يمكن القول إن إفريقيا لا تحتاج ببساطة إلى المزيد من التمويل، بل تحتاج إلى المزيج الملائم من التمويل الموجه للأغراض الصحيحة.

بناء إفريقيا بموارد محلية:

يتطلب تبنى مقاربة الجنوب العالمى أيضاً تحدى افتراض راسخ فى الخطاب التنموى، مفاده أن حل مشكلة التمويل فى إفريقيا يكمن فى المقام الأول فى البحث عن موارد إضافية من الخارج. ولا يخفى فى هذا المقام أن إفريقيا تمتلك موارد مالية محلية كبيرة؛ لكن المشكلة تكمن فى عدم تعبئة هذه الموارد أو توجيهها باستمرار نحو الاستثمارات الإنتاجية. وتشير الأبحاث التجريبية الحديثة بوضوح إلى هذا التناقض؛ ففى حين شهدت أجزاء من إفريقيا توسعاً فى القطاعات المالية والمدخرات المحلية، لا تزال الموارد المحلية تؤدى دوراً محدوداً فى تمويل البنية التحتية. كما تظل أسواق رأس المال ضحلة نسبياً؛ مما يجعل البنية التحتية تعتمد بشكل مفرط على التمويل الخارجى، ويعرض البلدان لمخاطر أسعار الصرف، وضغوط إعادة التمويل، وتقلبات حركة رؤوس الأموال الدولية.

ويشير هذا الأمر إلى ضرورة فهم مفهوم تعبئة الموارد المحلية بمعناه الأوسع؛ بحيث لا يقتصر على الضرائب فحسب، بل يشمل أيضاً تعزيز الأنظمة المصرفية المحلية، وتعميق أسواق رأس المال، وتحقيق وساطة مالية فعالة، والقدرة على توجيه المدخرات نحو استثمارات إنتاجية طويلة الأجل. غير أن مجرد توسيع نطاق التمويل المحلى لا يكفى، فالتوسع المالى لا يؤدى تلقائياً إلى إنشاء طرق، أو شبكات طاقة أو موانئ أو قدرات صناعية؛ إذ يمكن لضعف قدرات الدولة، وعدم اليقين التنظيمى، وهشاشة المؤسسات أن يحول دون وصول الموارد المتاحة إلى الاستثمارات الإنتاجية؛ لذا تشير الأدلة إلى استنتاج بالغ الأهمية مفاده أن السيادة المالية تتطلب قدرات مؤسسية.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة من منظور الجنوب العالمى الذى نتبناه هنا؛ لأنها تغير مفهوم الاعتماد على الذات؛ فالاستقلال المالى لا يعنى رفض التمويل الخارجى أو افتراض أن الموارد المحلية وحدها قادرة على سد الفجوة التنموية فى إفريقيا. فحتى بنك التنمية الإفريقى يقر بأن الموارد المحلية لن تكون كافية فى العديد من البلدان لتلبية احتياجات التحول التنموى بحلول عام ٢٠٣٠. وعوضاً عن ذلك، ينبغى أن يتمثل الهدف فى الحد من الاعتماد المفرط على التمويل الخارجي؛ وذلك من خلال دعم قدرة إفريقيا على تعبئة مواردها الذاتية، والقيام بدور الوسيط المالى لها، وتوظيفها بشكل استراتيجى. فالهدف ليس العزلة المالية، بل اكتساب قدرات تفاوضية أكبر.

تكامل المؤسسات والتمويل:

يعنى هذا أيضاً ضرورة إعادة النظر فى مفهوم بناء المؤسسات؛ فغالباً ما يُنظر إلى الحوكمة فى سياق النقاشات التنموية على أنها شرط تمليه المؤسسات الدولية قبل الإفراج عن التمويل. غير أن الأدلة المستمدة من التجربة الإفريقية تشير إلى أمر أكثر أهمية، فالمؤسسات الفعالة تُعد بحد ذاتها جزءاً من البنية التحتية الاقتصادية اللازمة لجعل التمويل منتجاً. وعليه تعتمد العلاقة بين التطور المالى والاستثمار فى البنية التحتية على فعالية الحكومة، وجودة الأطر التنظيمية، وقدرات القطاع العام. وتُظهر الأبحاث حول الاقتصادات الإفريقية أن البلدان التى تتمتع بمستويات متقاربة من التطور المالى قد تحقق نتائج استثمارية متفاوتة للغاية، وذلك تبعاً لاختلاف بيئاتها المؤسسية. وينبغى لهذا الأمر أن يحول الاهتمام بعيداً عن النقاشات التى تركز بشكل مفرط على الجوانب الكمية المتعلقة بفجوات التمويل.

فالسؤال المهم لا يقتصر على إمكانية تعبئة مليارات الدولارات، بل يمتد ليشمل قدرة الحكومات على اختيار المشاريع بفعالية، وتنظيم الأسواق المالية، والتفاوض بشأن العقود، وإدارة عمليات الشراء العام، وتقييم المخاطر، وتنفيذ الاستثمارات على المدى الطويل. وبناءً على ذلك، ينطوى التعامل مع فجوة التمويل باعتبارها مجرد وعاء فارغ ينتظر من يملؤه على مخاطر حقيقية. ومن الممكن لإفريقيا أن تجتذب قدراً أكبر بكثير من رأس المال؛ ومع ذلك تظل عاجزة عن تحقيق التحول الهيكلى إذا لم تتطور القدرات المؤسسية جنباً إلى جنب مع القدرات المالية.

نحو شمولية السيادة المالية:

هناك بُعد آخر غالباً ما تغفله إحصاءات التمويل الإجمالية، وهو من هم الأطراف داخل الاقتصادات الإفريقية القادرة فعلياً على الحصول على التمويل؟ فمن المحتمل أن يزداد النظام المالى اتساعاً؛ ومع ذلك يظل شديد الإقصاء لفئات معينة. ويتجلى هذا بوضوح فى تمويل الشركات التى تمتلكها النساء؛ إذ تُظهر الأبحاث الحديثة حول رائدات الأعمال فى إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى أن متطلبات الضمانات المرتفعة وتكاليف الاقتراض لا تزال تشكل عقبات كبيرة، فى حين تؤثر الثقافة المالية بشكل جوهرى فى قدرة رائدات الأعمال على الوصول إلى التمويل الرسمى. وتوفر التكنولوجيا المالية والإقراض الرقمى فرصاً جديدة؛ لكن فعاليتها تظل مرهونة بالبنية التحتية والأطر التنظيمية ومستوى الثقة. كما يمكن للبرامج المدعومة حكومياً أن تُحسّن فرص الحصول على التمويل، وإن كانت أوجه القصور فى التنفيذ تحد غالباً من أثرها. ولعل ذلك يضيف بُعداً مهماً آخر لمفهوم تعبئة الموارد المحلية.

ولا يكفى التساؤل عما إذا كان رأس المال متوفراً داخل الأنظمة المالية الإفريقية؛ بل يجب أن نتساءل أيضاً من يقدر على الوصول إليه؟ وغالباً ما تعتمد نماذج الإقراض التقليدية على ضمانات رسمية، وسجلات ائتمانية موثقة، وهياكل تجارية تضع رواد الأعمال العاملين فى الاقتصادات غير الرسمية فى موقف غير موات. وقد تواجه النساء قيوداً هيكلية إضافية؛ نظراً للتفاوت المستمر فى ملكية الأصول، وتوفر الضمانات، والقدرة على الوصول إلى الشبكات الاقتصادية الرسمية. وتُظهر الأبحاث كيف يمكن للإقراض القائم على الأصول أن يعيد إنتاج أوجه عدم المساواة هذه، بدلاً من أن يقتصر دوره على عكس تقييمات محايدة للمخاطر التجارية؛ ومن ثم فإن المسألة لا تتعلق بمجرد قضية نوع اجتماعى تُضاف إلى ملف تمويل التنمية، بل هى مسألة تتعلق بكيفية هيكلة المؤسسات المالية ذاتها.

وبناءً على ذلك، ومن منظور الجنوب العالمى، من المهم ألا يقتصر الشمول المالى على مجرد توفير المنتجات المالية التقليدية للفئات التى كانت مستبعدة سابقاً، بل يتطلب الأمر إعادة النظر فى كيفية تقييم الجدارة الائتمانية، وكيفية تصميم الخدمات المالية، ومدى مراعاة المؤسسات لواقع المشاريع الصغيرة وتلك العاملة فى القطاع غير الرسمى.

ويمكن للتكنولوجيا المالية أن تكون جزءاً من هذا التحول؛ إذ قد يسهم التمويل الرقمى فى تقليص الحواجز الجغرافية وتوفير بدائل لقنوات الإقراض التقليدية، غير أن التكنولوجيا لا تؤدى تلقائياً إلى الحد من عدم المساواة. فمن دون بنية تحتية رقمية مناسبة، وأطر تنظيمية ملائمة، ووعى مالى، وثقة مؤسسية؛ قد تعيد هذه التكنولوجيا إنتاج أنماط الإقصاء القائمة، ولكن عبر منصات مختلفة؛ لذلك تحذر الأبحاث ذاتها من اعتبار الوعى المالى بديلاً عن الإصلاح الهيكلي؛ فالتعليم يساعد رواد الأعمال على التعامل مع الأنظمة المالية؛ لكنه يحتاج إلى أن يتزامن مع تبسيط الإجراءات المعقدة، وتعزيز شفافية المنتجات المالية، والحد من الممارسات المؤسسية التمييزية. فالشمول المالى يتعلق فى جوهره بموازين القوى داخل النظام المالى، وليس بمجرد إتاحة الوصول إلى حساب مصرفى.

تنويع آليات التمويل:

يجب أن يرفض أى منظور ينطلق من رؤى الجنوب العالمي؛ التعامل مع إفريقيا باعتبارها سوقاً تمويلية واحدة ومتجانسة. فالقارة تضم دولاً هشة، ودولاً مصدرة للسلع الأولية، واقتصادات متنوعة متوسطة الدخل، ومراكز مالية كبرى، واقتصادات جزرية صغيرة، وبعضاً من أسرع الشعوب نمواً فى العالم؛ ومن ثم لا يمكن أن تكون احتياجاتها التمويلية متطابقة. ولا تزال الدول منخفضة الدخل تعتمد بشكل أكبر على المنح، والقروض الميسرة، وتحويلات المغتربين. وغالباً ما تتمثل أولوياتها العاجلة فى الحفاظ على الخدمات العامة الأساسية، وتطوير البنية التحتية، وتدعيم قدرات الدولة. أما اقتصادات الشريحة الدنيا من فئة الدخل المتوسط، فتتمتع عموماً بإمكانات أكبر لحشد الاستثمار الأجنبى المباشر، والائتمان المحلى، والتمويل عبر أسواق رأس المال. ويكمن التحدى الرئيسى الذى يواجهها فى ربط هذه الموارد المالية بعمليات التصنيع، وتطوير البنية التحتية، والتحديث التكنولوجى، وشبكات الإنتاج الإقليمية.

وفى المقابل، تمتلك الاقتصادات فى الشريحة العليا من فئة الدخل المتوسط أسواقاً مالية أكثر عمقاً وقدرة أكبر على الاقتراض التجاري؛ لكنها فى الوقت نفسه أكثر عُرضة لتقلبات أسعار الفائدة الدولية، وتغيرات توجهات المستثمرين، وحركات خروج رؤوس الأموال المفاجئة.

وعليه، ينبغى أن تنطلق السياسات من طبيعة الهيكل الاقتصادى والقدرات المؤسسية، بدلاً من الاعتماد على وصفة عامة وموحدة لإفريقيا. ولعل هذا التمايز مهم أيضاً بالنسبة للشركاء الخارجيين؛ إذ لا يمكن ببساطة استنساخ آليات التمويل المصممة فى واشنطن أو بروكسل أو بكين أو غيرها وتطبيقها على اقتصادات سياسية إفريقية تتسم باختلافات جذرية فيما بينها.

تعدد الأقطاب والخيارات:

يشهد النقاش الدائر حول تمويل إفريقيا تحولات ناجمة عن التغيرات فى النظام الدولي؛ إذ لم تعد الحكومات الغربية ومؤسسات «بريتون وودز» تمارس هيمنة على تمويل التنمية بالقدر الذى كانت تمارسه فى السابق. فقد أصبحت الصين شريكاً اقتصادياً رئيسياً، فى حين وسّعت كل من الهند ودول الخليج وتركيا وغيرها من القوى الصاعدة حضورها التجارى والدبلوماسى فى أنحاء القارة السمراء. صحيح أن النظام الدولى الآخذ فى التطور ليس متعدد الأقطاب بالكامل بعد؛ حيث لا يزال هيكله العام يدور حول الولايات المتحدة والصين؛ لكنه يتيح مساحة أكبر بكثير للهند وأوروبا وجهات فاعلة أخرى للمساهمة فى تشكيل المآلات والنتائج؛ ومع ذلك، فإن هذا التوزع الجزئى للقوة يحمل أهمية بالغة بالنسبة للحكومات الإفريقية؛ فتعدد الشركاء يعنى تعدد الخيارات.

ويمكن لدولة إفريقية ما أن تسعى إلى الحصول على تمويل للبنية التحتية من الصين، وتعاون تكنولوجى مع الهند، واستثمارات عربية، وتمويل ميسّر من مؤسسات متعددة الأطراف، ونفاذ تجارى إلى أوروبا، وعلاقات أمنية مع شركاء مختلفين تماماً. ومن منظور الجنوب العالمي؛ يمكن لهذا التنوع أن يفسح المجال لتبنى مقاربة تعدد التحالفات بدلاً من الانحياز التلقائى لطرف واحد.

غير أن وجود المزيد من الشركاء لا يعادل بالضرورة امتلاك الاستقلال الاستراتيجي؛ إذ تكمن المشكلة فى أن تستبدل الدول الإفريقية اعتمادها على مجموعة مهيمنة واحدة من الشركاء باعتماد آخر على عدة أطراف متنافسة. فتنوع قاعدة الدائنين لا يغير فى حد ذاته جوهر العلاقة إذا ظلت المشاريع محددة من الخارج، وظلت التكنولوجيا مستوردة، وكانت الديون بشروط مجحفة، وظلت الروابط الإنتاجية المحلية ضعيفة. وعليه، فإن المعيار الأكثر دلالة على تعدد الأقطاب هو مدى قدرة إفريقيا على استغلال التنافس الجيوسياسى لتحسين موقفها التفاوضى.

وهنا يُثار تساؤلان من قبيل هل تستطيع بعض الحكومات الإفريقية التفاوض لضمان قيمة مضافة محلية أكبر؟ وهل يمكن لترتيبات التمويل أن تدعم قدرات الشركات الإفريقية؟ وهل يمكن لمشاريع البنية التحتية أن تنقل الخبرات الفنية؟ وهل يمكن للشراكات الخارجية أن تدعم الإنتاج المحلى والإقليمى بدلاً من الاكتفاء باستخراج السلع أو فتح الأسواق؟ تلك الأسئلة أكثر أهمية من مسألة ما إذا كان الشريك المعنى ينتمى إلى الشمال أم الجنوب. وفى هذا السياق، تكتسب توسعة نطاق التعاون بين دول الجنوب أهمية استراتيجية؛ لأنها تمنح الدول الإفريقية بدائل لعلاقات التنمية التقليدية. وغالباً ما تطرح القوى الصاعدة شراكاتها استناداً إلى مبادئ السيادة، والمنفعة المتبادلة، وعدم التدخل فى الشؤون الداخلية؛ وهى لغة تجد صدى إيجابياً لدى الدول الإفريقية.

بيد أن الجغرافيا وحدها لا تضمن تحقيق تنمية عادلة؛ إذ يمكن لقرض من شريك فى الجنوب العالمى أن يولد ديوناً غير مستدامة، كما يمكن لمشروع فى مجال البنية التحتية أن يعتمد بشكل مفرط على مدخلات وعمالة مستوردة، وقد يظل الاستثمار منفصلاً عن الإنتاج المحلى، أو قد تؤدى اتفاقية بشأن الموارد إلى توزيع غير متكافئ للمنافع؛ لذا ينبغى لأى مقاربة تنبع حقاً من الجنوب العالمى ألا تضفى طابعاً مثالياً مبالغاً فيه على التعاون بين دول الجنوب، بل يجب أن تقيّم الشراكات بناءً على مدى مساهمتها فى توسيع حيز السياسات والقدرات الإنتاجية فى إفريقيا. فالانقسام الجوهرى هنا لا يقتصر ببساطة على الشمال مقابل الجنوب، بل يكمن فى التمييز بين علاقات التمويل التى تعزز القدرة الذاتية المحلية وتلك التى تعيد إنتاج التبعية.

الديون والنظام المالى العالمي:

تكتسب هذه المسألة طابعاً ملحاً بشكل خاص فى ظل التغيرات التى تشهدها الجهات الدائنة. ومن المرجح أن يصل حجم الدين الخارجى لإفريقيا، وفقاً لتقديرات بنك التصدير والاستيراد الإفريقى الصادرة فى مايو ٢٠٢٥، إلى أكثر من ١.٣ تريليون دولار بحلول نهاية العقد الحالى. وقد ارتفعت حصة الدائنين من القطاع الخاص من نحو ٣٠٪ فقط عام ٢٠١٠ إلى ما يتجاوز ٤٠٪ من إجمالى الدين الخارجى للقارة بحلول عام ٢٠٢٥، بل تجاوزت النصف فى عدد من الاقتصادات الكبرى. وبالرغم من أن التمويل التجارى أتاح للحكومات الوصول إلى موارد لم تكن متاحة عبر القنوات التقليدية الميسرة؛ فإنه زاد أيضاً من مخاطر ارتفاع تكاليف الاقتراض، وقصر آجال الاستحقاق، والتقلبات فى الأسواق؛ ومن ثم لا يمكن معالجة هذا التحدى بالكامل على المستوى الوطنى وحده.

فما زالت البنية المالية العالمية توزع السيولة والمخاطر بشكل غير متكافئ. وأكد بنك التنمية الإفريقى أن الإصلاحات التى شملت بنوك التنمية متعددة الأطراف والنظام المالى الدولى الأوسع، لا تزال غير كافية لتلبية احتياجات إفريقيا التمويلية. كما أشار البنك إلى الحصة الضئيلة للغاية من حقوق السحب الخاصة العالمية التى حصلت عليها الاقتصادات الإفريقية خلال أزمة «كوفيد١٩»؛ معتبراً ذلك دليلاً على هذا الاختلال الهيكلى. وهنا تبرز أهمية منظور الجنوب العالمى فى تسليط الضوء على هذا البعد الهيكلى.

وعليه، قد يتعين على بعض الحكومات الإفريقية تحسين مستوى الشفافية فى ملف الديون، والتقارير المالية، وتقييم المشاريع، والحوكمة المحلية. غير أن قواعد التمويل الدولى تؤثر أيضاً فى تكلفة رأس المال ومدى توفره. وفى هذا الإطار، لا ينبغى طرح الإصلاح المحلى والإصلاح المالى الدولى كخيارين متنافسين؛ فكلاهما ضرورى. فإفريقيا بحاجة إلى مؤسسات محلية أقوى، وفى الوقت نفسه تطالب ببنية مؤسسية مالية عالمية تتيح للاقتصادات النامية فرصاً أفضل للحصول على رؤوس أموال طويلة الأجل وبتكلفة ميسورة.

تحقيق مفهوم الدولة القادرة:

يُعد الجدل الدائر حول المشاريع القابلة للتمويل المصرفى مثالاً يوضح هذه النقطة ذاتها؛ إذ إن إفريقيا بحاجة إلى مجموعة أقوى من المشاريع التى تتمتع بمصداقية فنية، واستدامة مالية، وجاهزة للاستثمار. وتشير الأبحاث بشكل متزايد إلى أن نقص التمويل المصرفى والقدرات المؤسسية يُعد جزءاً من مشكلة البنية التحتية نفسها. لكن النقاش لا ينبغى أن يتوقف عند هذا الحد، فلا يُمكن اعتبار أى مشروع تنموى ناجحاً لمجرد أن المستثمرين الدوليين يرونه قابلاً للتمويل المصرفى.

وهنا يتعين على بعض الحكومات أيضاً أن تسأل نفسها عما إذا كان المشروع يُسهم فى خلق فرص عمل، ودعم الشركات المحلية، وزيادة الإنتاجية، وتحسين الترابط الإقليمى، ودعم أولويات التنمية طويلة الأجل؛ لذا فإن قابلية التمويل المصرفى ضرورية؛ لكنها غير كافية. وعليه يصبح الهدف الأسمى هو بناء دول قادرة واقتصادات منتجة قادرة على تحديد أولوياتها الاستثمارية، وتصميمها، والتفاوض بشأنها، وتنفيذها.

ختاماً، لا ينبغى أن يقتصر النقاش حول تمويل التنمية فى إفريقيا على زيادة الالتزامات الخارجية، رغم استمرار حاجة القارة إلى رأس المال وسد فجوة تمويل تتجاوز ٤٠٠ مليار دولار سنوياً. فالأهمية لا تكمن فى حجم التمويل فقط، بل فى قدرة المؤسسات المحلية على تحويل المدخرات إلى استثمارات منتجة، وتعظيم أثر رأس المال الأجنبى، وتنظيم التكنولوجيا المالية، والاستفادة من تعدد الشراكات الدولية، وتطوير القدرة التفاوضية بما يعزز الاستقلالية. ومن منظور الجنوب العالمي؛ يصبح تمويل التنمية جزءاً من قضية أوسع تتعلق بالقدرة الإنتاجية، والسلطة المؤسسية، وقدرة الدول الإفريقية على تحديد مسارات تنميتها.

ينشر بالتعاون مع المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة