محمد صلاح؛ حقق الكثير خلال مسيرته الكروية، صنع مجداً شخصياً يفخر به، ومجداً وطنياً يفخر الكثيرون به، لكنه حتى الآن لم يصنع علامته.
صلاح وضع نفسه في الصفوف الأولى بفضل موهبته وإخلاصه لها، ويمكن القول إنه أدار نفسه بمنطق وفلسفة رجال الأعمال، استثمار الفرص وأنصافها، لكن عليه الآن استغلال الرواج.
اقرأ أيضًا: محمد صلاح يطارد أساطير أوروبا.. الفرعون يعادل هالاند ويواصل كتابة التاريخ مع طرابزون
صلاح سعى واجتهد، ثابر وصبر، حتى أصبح علامة مميزة في سلسلة الناجحين، لكنه لم يصبح بعد "علامة ذائعة الصيت"، وهذا ليس تقليلاً، لكني أحاول أن ألفت الانتباه نحو مسيرة أطول لصلاح، تجعله علامة ذائعة الصيت بتعبير العارفين بأنواع العلامات التجارية.. وأعلم -عزيزي القارئ- السؤال الذي يدور في ذهنك الآن: ما علاقة صلاح بالعلامات التجارية؟ وما شأنه أصلاً بالتجارة؟
دعني أذكرك أولاً بأني وصفت “صلاح” بالمستثمر الذي نجح في إدارة واستغلال موهبته منذ نعومة أظافره، وهذا المستثمر لابد أن يدرك قيمته الآن في السوق، يحسب الأرباح الحالية ويقدر العوائد المستقبلية.
صلاح استثمر من قبل في موهبته فصنع مجداً اقترن باسمه، فما عليه الآن إلا أن يستثمر في هذا الاسم، حتى يظل علامة فارقة، أو كما قلنا علامة شهيرة ذائعة الصيت.
وهنا يمكن أن أسرد لك -عزيزي القارئ- معنى علامة ذائعة الصيت، أو علامة شهيرة، فبمنطق السوق لو افترضنا أن هناك منتجاً ما "أكل - شرب - ملبس" أو خلافه، ما الذي يدفعك إلى تكرار شراء هذا المنتج؟ أكيد الجودة والإتقان بعد أن تلبي حاجتك في إشباع رغبتك.. والرغبة هنا ليست عيباً -والعياذ بالله-، لكنها رغبة الإشباع الطبيعي الغريزية في تناول الطعام وشرب الماء وإرضاء المتطلبات اليومية. فهذه المنتجات في الأصل مصنوعة لتلبي حاجات الإنسان، وتتسابق الشركات لنيل رضاه وإشباع رغباته، فتسعى بما أوتيت من قوة إلى إتقان العمل، وإنتاج سلعة بجودة عالية، ويتبقى لها أن تضع اسماً أو علامة مميزة تفرق بينها وبين المنتجات الأخرى المنافسة، فتبتكر علامة تميزها لتختلف عن الآخرين، ومن هنا جاءت الحاجة إلى ما يسمى "العلامة التجارية"، وهي التي تجعلني كمستهلك حين أدخل "سوبر ماركت" أبحث عن عبوة دون أخرى، وأفضل منتجاً عن آخر، فأعرف اسمه وشكله، و"الاسم والشكل" هما العلامة.
صلاح -إن تكلمنا عنه من الناحية التجارية- يحمل اسماً وشهرة، ولديه من الجودة والسمعة ما يؤهله إلى أن يصبح ماركة مسجلة أو علامة تجارية، فقط ضع فقط اسمه على أي منتج سيلقي رواجاً، صورته على التيشيرت تجعل الأطفال يتهافتون -يا صديقي؛ ده حتى في رمضان لما عملوا فانوس على شكل لعبة بصورته أصبح فانوس الموسم، والكل صغير وكبير اشتراه- صلاح خلفه قاعدة جماهيرية كبيرة، ضع علامته على أي شيء سيلقي رواجاً ويكون موضع ثقة.
ما أتكلم عنه ليس جديداً في عالم نجوم كرة القدم؛ كريستيانو رونالدو صنع علامة تجارية برقمه الشهير وحروف اسمه CR7 ، وهذه العلامة تقدر قيمتها بحوالي 885 مليون دولار، وصنعت وراءها خطوط إنتاج، ويصفها المعهد البرتغالي للإدارة والتسويق بأنها "تعكس التميز، والابتكار، والتأثير في مختلف مجالات الحياة العامة بحيث تعكس قيمتها السوقية أهميتها الرياضية، والإعلامية، والتجارية التي تتجاوز الأجيال"، حتى اللاعب الشاب لامين يامال سجل نحو 7 علامات تجارية باسمه تحمل رقماً مميزاً لبدلته في إسبانيا (304)، والذي يشير به عند كل هدف يسجله في مرمى الخصم، هذه العلامات التجارية سجلها في المكتب الأوروبي للملكية الفكرية حتى عام 2035، ومن المتوقع لها أن تدر ملايين الدولارات.
كريستيانو ولامين سجلا العلامات التجارية دون منتج فعلي أو نشاط تجاري يذكر، هما فقط استغلا جودة الاسم وذيوع الصيت لكل منهما، ومن بعد ذلك يفكران في المنتج "أحذية رياضية، ملابس، أو برفانات، “مش هتفرق”.. العلامة موجودة، حطها على أي حاجة هتصيد زبونها، لكنها لن تكون "فنكوش" عادل إمام في فيلمه الشهير "واحدة بواحدة"، حين ملأ البلد بإعلان منتج لا يُعرف كينونته، ومبدأه كان: دع الناس تسأل ما هو الفنكوش، والغريزة والفضول سيدفعانهما لقبول أي منتج.. لكن محمد صلاح ليس فنكوشاً، هو علامة صالحة للاستثمار الطويل، فمهما طال الوقت أو قصر، اللعب في الملعب له فترة صلاحية، لكن علامة "صلاح" يمكن مد صلاحيتها مدد متتالية.
صناعة علامة "صلاح" يجب أن يفكر فيها هو، ويفكر فيها من حوله؛ استغلالاً لجودة الاسم، وصناعة منتج مصري يروج حول العالم، ليكن خط ملابس رياضية أو غيره "المحلة موجودة وصناعة النسيج المصري ذات صيت وجودة معروفة عالمياً"، ينقصها العلامة والاسم المميز.. ويمكن هنا استغلال "صلاح" ليس استغلالاً مضراً، بل استغلالاً مفيداً؛ هو يستفيد من "البيزنس" الجديد، والبلد تستفيد بخط إنتاج يوفر فرص عمالة ويروج للصناعة المصرية.
يكفي لعلامة "صلاح" أن تستند فقط على جماهيريته في مصر والوطن العربي، 500 مليون نسمة ليس رقماً بسيطاً في حسابات التجارة، قوة شرائية رهيبة، سوق مضمون وقوي، اسم محبب ويلقي احتراماً في أرجاء المعمورة.. خاصة بعد الحالة الجنونية من الجماهير التركية في حب "صلاح"، لذلك باتت الفرصة سانحة لصناعة علامة "صلاح" التجارية.
نادي طرابزون التركي – انتبه - بدأ إجراءات قانونية ضد 21 شركة استغلت اسم محمد صلاح في حملات تجارية وإعلانية دون الحصول على التصاريح اللازمة، ورغم أهمية هذه الخطوة، إلا أن الملاحقة القانونية تبقى محكومة بحدود ضيقة، تقتصر حصرياً على حق منع الاستغلال غير القانوني للأسماء الشخصية، دون أن تمتد لتشمل حماية "علامة تجارية" مسجلة بالمعنى المؤسسي الواسع.
كل ما يتطلبه الأمر هو اختيار شعار مميز، أو رقم خاص، أو مزيج من الأحرف والأرقام، وتوثيقها رسمياً في مكاتب تسجيل العلامات التجارية المعتمدة، وبعدها، تأتي خطوة التعاون مع كبرى الجهات الإنتاجية لطرح منتجات تحمل هذه العلامة المسجلة باسم محمد صلاح رسمياً، ليتحول "محمد صلاح" فعلياً إلى ماركة عالمية مسجلة.