المجتمع المدني في مصر.. طاقة مهدورة
كتب - د. غادة موسى
07:00 م السبت 17 أكتوبر 2026
يُمثل المجتمع المدني ذلك المفهوم الجوهري الذي يعبر عن المساحة التشاركية والوسيطة التي تتوسط الفرد والدولة. فهو ليس بديلاً عن مؤسسات الدولة ولا منافساً لها، بل هو الفضاء الوطني الذي يتجمع فيه المواطنون طواعية لممارسة العمل الأهلي والتنموي، والتعاون من أجل خدمة المجتمع وتلبية احتياجاته.
وقد لعب المجتمع المدني المصري عبر التاريخ دوراً محورياً في تعزيز التماسك الاجتماعي، والحفاظ على الهوية الوطنية الثرية متعددة المشارب للمصريين. فمنذ نشأة الجمعيات الأهلية والخيرية في أواخر القرن التاسع عشر والقرن العشرين، شكل العمل الأهلي حائط صد لحماية الثقافة والخدمات الاجتماعية، وترسيخ قيم التكافل والتضامن التي تميزت بها الشخصية المصرية في مختلف العصور.
اقرأ أيضًا: بفستان قصير فضي.. إنجي وجدان بإطلالة جريئة على السجادة الحمراء بمهرجان الجونة السينمائي
وتتجلى أهمية المجتمع المدني بأبهى صورها وقت الأزمات والحروب؛ إذ طالما كان السند والدعامة الأساسية للدولة. ويشهد التاريخ المصري بالدور الناصع لمؤسسات المجتمع المدني، مثل الهلال الأحمر المصري والجمعيات الخيرية والمبادرات الشبابية، التي أثبتت كفاءة عالية في تقديم الإغاثات العاجلة، وتوفير الخدمات الأساسية من رعاية صحية وغذاء وإيواء أثناء الأزمات والحروب ومواجهة الكوارث الطبيعية والأوبئة، مستكملة بذلك أداء الأجهزة الحكومية في أصعب الأوقات.
إن منح المجتمع المدني دوراً أكبر يُعد استثماراً استراتيجياً يحقق مكاسب جليلة للدولة المصرية، لا سيما في تحقيق أهدافها الوطنية المتعلقة برفع الوعي، وبناء الإنسان المصري، والارتقاء بالتعليم، والحفاظ على البيئة، وتشجيع ريادة الأعمال. وتزخر التجارب الدولية بما يثبت ذلك؛ ففي دولة مثل ألمانيا تم اعتماد مبدأ دستوري يُعرف بـ«الفرعية التكاملية»، والذي ينص على أن الدولة لا تتدخل في تقديم الخدمات الاجتماعية والتعليمية إذا كانت منظمات المجتمع المدني والأهلي قادرة على تقديمها بكفاءة. كما توفر منظمات مجتمع مدني مثل منظمة Schule im Aufbruch نموذجاً تعليمياً يركز على مهارات القرن الحادي والعشرين (الابتكار، والتفكير النقدي، والتنمية المستدامة)، وتعتمد عليها العديد من الولايات الألمانية لتحديث المناهج في المدارس الرسمية. أما بالنسبة لدور المجتمع المدني في مجال ريادة الأعمال فتدير حاضنات الأعمال الاجتماعية مثل Netzwerk Deutschland (SEND) عملية توفير التمويل التأسيسي والتوجيه للشباب والمبتكرين الاجتماعيين. كما تخصص الحكومة الألمانية صناديق تمويل استثمارية مشتركة بالتعاون مع المجتمع المدني لتمويل المشاريع الناشئة التي تعالج تحديات بيئية واجتماعية.
أما في سنغافورة فتدعم الدولة منظمات المجتمع المدني لتدريب الشباب على المهارات الريادية وحماية البيئة، مما انعكس إيجاباً على مؤشرات التنمية البشرية والابتكار. كما تُظهر التجارب في دول شمال أوروبا كيف يسهم العمل الأهلي بفاعلية في تطوير المناهج المساندة والأنشطة التعليمية وإشراك المجتمع المحلي في الرقابة البيئية والتوعية الصحية.
ختاماً، إن الارتقاء بدور المجتمع المدني -الذي يمثل العمل الأهلي ركيزته الأساسية- لا يتحقق فقط عبر إصدار أو تعديل القوانين والتشريعات التنظيمية، بل يتطلب إيماناً حقيقياً بتمكينه وإتاحة المساحة الفعالة والبيئة المشجعة لعمله. إن إعطاء المجتمع المدني مرونة حركة كافية يضمن تكامل جهوده مع جهود الدولة، ويصنع نموذجاً تنموياً مستداماً يُلبي طموحات الشعب المصري ويرسخ دعائم الاستقرار والتقدم.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع