تدخل بطولة كأس العالم 2026 مراحلها النهائية قبل انطلاقها وسط حالة من الجدل الواسع التي تسيطر على الأجواء المعتادة، حيث تحول الحدث الكروي الأكبر في العالم إلى فضاء تتقاطع فيه الرياضة مع السياسة والاقتصاد والأمن، ومع اقتراب انطلاق المباريات تبدو هذه النسخة مختلفة تماماً عن سابقيها ليس فقط بسبب اتساعها التاريخي بمشاركة 48 منتخباً للمرة الأولى، بل أيضاً بسبب حجم التحديات التي تهدد استقرارها التنظيمي وصورتها الجماهيرية في ظل أزمات متصاعدة تؤثر على مختلف جوانب البطولة.
تظهر البطولة أبعاداً سياسية وأمنية معقدة نتيجة التوترات الإقليمية والدولية، خصوصاً بعد الحرب التي اندلعت في بداية العام بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، وما نتج عنها من تصعيد انعكس على المشهد الرياضي، وأثارت مشاركة المنتخب الإيراني جدلاً واسعاً بعد مطالبته بنقل مبارياته من الولايات المتحدة إلى المكسيك بسبب مخاوف أمنية تتعلق بسلامة اللاعبين والجماهير، لكن الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” رفض هذا الطلب وأكد التزامه بإقامة المباريات حسب الجدول المقرر مسبقاً، كما لم تتوقف التحديات عند هذا الحد، إذ واجهت إيران مشاكل إضافية بعد منع رئيس اتحادها من دخول الولايات المتحدة لحضور قرعة كأس العالم ما أدى إلى توتر دبلوماسي وتهديدات بالمقاطعة قبل التراجع عنها لاحقاً، وفي السياق ذاته، تأثر منتخب العراق خلال التصفيات الفاصلة بصعوبات لوجستية مرتبطة بإغلاق الأجواء وتعطل حركة السفر نتيجة التصعيد العسكري في المنطقة قبل إيجاد حلول لهذه الأزمة، وهو ما كشف عن هشاشة الجانب التنظيمي أمام الأزمات السياسية.
على صعيد آخر، أثارت تقارير صادرة عن جمعية الفنادق والإقامة الأميركية جدلاً واسعاً بعد تحذيرها من فجوة كبيرة بين توقعات الإقبال والحجوزات الفعلية في المدن المستضيفة، رغم إعلان فيفا بيع أكثر من خمسة ملايين تذكرة لا تزال نسب الإشغال الفندقي أقل من المتوقع مما يهدد بفشل “الطفرة السياحية” المنتظرة، واتهمت الجمعية الاتحاد الدولي لكرة القدم بأنه تسبب في “طلب اصطناعي” عبر حجز كميات كبيرة من الغرف الفندقية مسبقاً ثم إلغاء جزء كبير منها لاحقاً ما أدى إلى اضطراب السوق وارتفاع الأسعار بشكل مبالغ فيه ثم تراجع الطلب بصورة حادة، وتشير البيانات إلى أن ما يصل إلى 70 بالمئة من الحجوزات المسبقة في مدن مثل بوسطن ودالاس ولوس أنجلوس وشيكاغو وسياتل قد أُلغيت مما خلق حالة من الارتباك في القطاع الفندقي، في المقابل، رفض الاتحاد الدولي هذه الاتهامات مؤكداً التزامه بالعقود الموقعة مع الفنادق وأن عمليات الإفراج عن الغرف جرت حسب الجداول الزمنية المتفق عليها مشيراً إلى أن هذه الإجراءات جزء طبيعي من إدارة الأحداث الكبرى.
تعد أسعار التذاكر من أكثر القضايا التي أثارت غضب الجماهير، بعد اعتماد الفيفا نظام “التسعير الديناميكي” الذي يرفع الأسعار تلقائياً وفق حجم الطلب وهو نظام يُستخدم للمرة الأولى في تاريخ كأس العالم، وبلغت الأسعار مستويات غير مسبوقة حيث تجاوزت تذاكر نهائي البطولة في ملعب “ميتلايف” أكثر من 32 ألف دولار بينما تخطت بعض مباريات دور المجموعات ألفي دولار كما ارتفعت أسعار تذاكر الوفود والعائلات الرسمية إلى أكثر من ثلاثة آلاف دولار للمقعد الواحد في بعض الحالات ما أثار انتقادات واسعة من الجماهير وحتى من بعض السياسيين في الولايات المتحدة، وأدى هذا الارتفاع الحاد إلى مخاوف من انتقال البطولة إلى حدث مخصص للأثرياء بعيداً عن الجماهير التقليدية التي تمثل روح المونديال، إذ أشار بعض السياسيين إلى أن هذه السياسة مبالغ فيها وغير مبررة، ولم تتوقف الأزمات عند التذاكر والإقامة بل امتدت إلى قطاع النقل والخدمات اللوجستية، حيث شهدت أسعار المواصلات المؤدية إلى الملاعب ارتفاعاً كبيرا فتجاوزت تكلفة تذكرة القطار ذهاباً وإياباً إلى ملعب ميتلايف مئة دولار مقارنة بخمسة عشر دولارا تقريبا في السابق وهو ما يعكس زيادة كبيرة في الأعباء على المشجعين، كما وصلت أسعار مواقف السيارات في بعض الملاعب إلى نحو 250 دولاراً خلال المباريات الكبرى ما يزيد من صعوبة التنقل ويؤثر على تجربة الجمهور خصوصا القادمون من خارج المدن المستضيفة.
تواجه البطولة تحديات صحية مرتبطة بانتشار بعض الأمراض مثل فيروس إيبولا ما دفع السلطات الأميركية إلى فرض قيود على دخول المسافرين القادمين من دول معينة مثل الكونغو الديمقراطية خلال فترة 21 يوماً قبل الوصول في إطار إجراءات احترازية مشددة، وفي المقابل أكد الاتحاد الدولي لكرة القدم تعاونه مع الجهات الصحية الأميركية لمتابعة الوضع بشكل مستمر مشيراً إلى وضع خطط مراقبة صحية للمسافرين وتعزيز إجراءات الفحص في المطارات والملاعب لضمان سلامة الجميع.
يتوقع الاتحاد الدولي تحقيق البطولة إيرادات قياسية تفوق 11 مليار دولار مقارنة بحوالي 7.6 مليار دولار في مونديال قطر ما يعكس حجم الحدث التجاري الكبير، لكن هذا النمو الاقتصادي يرافقه جدل متزايد حول ما إذا كانت البطولة تتجه إلى طابع تجاري أكثر من كونها حدثاً رياضياً عالمياً خصوصاً مع ارتفاع التكاليف على الجماهير واحتمال انخفاض الحضور الفعلي من مختلف دول العالم، تبدو كأس العالم 2026 أمام مرحلة حساسة تجمع بين طموح تنظيمي هائل وتحديات معقدة على مختلف الأصعدة، وبينما يسعى الاتحاد الدولي لتقديم نسخة غير مسبوقة من البطولة تفرض الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية نفسها بقوة لتجعل من هذه النسخة اختباراً حقيقياً لقدرة العالم على تنظيم أكبر حدث رياضي في ظل هذه التحديات.
